الباب المفتوح: قصة جيلنا التي عاشت لسنوات

دقيقة
ليلي، تلك الفتاة التائهة ذات الصوت المنخفض، لم أرها خاصة في البدايات تحمل أي معالم للقوة، تنتظر أن يأتيها المدد من خارجها، الآن نقع كلنا في نفس الفخ؟
ننتظر أن تسندنا قوة خارجية خارقة أو غير خارقة، تنتشلنا من الحياة التي لا نتحكم في تفاصيلها فنصبح أكثر سعادة؟ نهايات Happy Ever After التي لعبت بأحلامنا جميعاً، ونحن لا نعلم أننا بهذا الشكل نحمل من نحبهم ما هو صعب، نصبح حملاً ثقيلاً، لا أنفي أبداً حاجتنا إلى السند والعون ولكن لابد أن يأتي ذلك من داخلنا أولاً.
ولكن لماذا ليلي دوناً عن كل بطلات أفلام السينما المصرية، يتردد اسمها كثيراً هذه الأيام على المواقع الاجتماعية؟ هل نشعر نحن بنات القرن الحادي والعشرين أننا قد وقعنا بشكل أو بآخر في فخ التقاليد البالية والأفكار الذكورية ونحتمي بما كتبته لطيفة الزيات في ستينيات القرن الماضي على أمل أن نجد حسين؟ يعني، خرجنا من النهايات السعيدة لنبحث عن المخلص؟!
في كل مرة أشاهد فيها هذا الفيلم أسرح تماماً في عظمة محمود مرسي كممثل ووسامة صالح سليم بالطبع! ولكن هذه المرة قررت أن أشاهد الفيلم من منظور مختلف، عندما تصبح الحياة خانقة حولي أو لا أفهم ما يحدث ألجأ دائماً لكتاب نساء يركضن مع الذئاب للكاتبة المكسيكية كلاربيسا بينكولا إستس، ولأنني في هذه الفترة من حياتي أحتاج إلى الدعم بشكل كبير فتحت صفحات هذا الكتاب، لا لكي أبحث عن إجابات ولكن لكي أغوص في نفسي بشكل أكبر، لا أشاهد صوري الفوتوغرافية الخاصة بي في الآونة الأخيرة، لا أحتمل تلك النظرة التي تذكرني بـ ليلي!
نعم إنها واحدة من تلك اللحظات التي نفقد فيها اتزاننا مع الحياة، لا نجد نقطة الارتكاز، فتصبح النظرة في عيوننا غائمة، سارحة وتحمل مشاعر كثيرة متناقضة أو نظرة زجاجية، كل شيء بداخلنا قبل خارجنا يصبح فجأة عشوائي، ما نريده غير ما يحدث لنا، الإحساس بفقدان السيطرة والرغبة العارمة في الحرية، الانطلاق! أن تنكسر كل القيود؛ خاصة القيد المعدني البارد حول رقبتنا، ذلك الذي يمنعنا من التنفس! وفي تلك الأثناء نبدأ في البحث عن السند، وننسى أن بداخلنا قوة هائلة. بالنسبة إلي، أنا لا أنسى، ولكني أخاف كثيراً أن تخذلني تلك القوة فأخذل نفسي وأدخل في دائرة مفرغة، وأنا أكره جداً الشفقة على النفس، وفي تلك اللحظة نبحث عن حسين.
حسين؟
في علم النفس اليونجي، بداخل كل نفس بشرية يوجد الذكر والأنثى والتوازن بينهما يجعل الحياة النفسية سليمة، والصفات الذكورية تكون مسؤولة عن القوة، التقدم في الحياة، المعافرة والصفات الأنثوية تكون مسؤولة عن الحنان والتحمل والتعبير عن المشاعر، فإن طغت واحدة على أخرى نشاهد الرجل الذي لا يبكي وليس متصالحاً مع مشاعره ولا يجيد التعبير عنها، ونرى أيضاً المرأة الضعيفة التي ترفض أن تمشي دربها بنفسها، ومن هنا تكون فكرة عالم النفس السويسري كارل جوستاف يونج والتي تشرحها أيضاً بشكل أوضح كلاريسا بينكولا في كتابها أن أنفسنا تحمل الصفتين، الذكورة والأنوثة أو الين واليان في ثقافة الشرق الأقصى، وتوازن الجزئين ضروري لأرواحنا، ما معنى ذلك؟
عندما شاهدت الفيلم، شعرت أن تلك الشخصية هي طيف، كأن فقط ليلي هي التي تراه، ولا أحد غيرها، كأنها تخاطب نصفها الذكر داخل روحها، أي أن حسين ما هو إلا الراجل اللي جواها!
حسين بداخل ليلي، وليس شخصاً خارجها، هكذا رأيت الحكاية. عندما ابتعدت عنه ضعفت وعندما آمنت بوجوده أصبحت أقوى وقادرة على الصمود في الحياة، وكلما ابتعدت عنه طوال الفيلم، أو واجهتها عوائق تصبح هشة يؤثر فيها ابن خالتها الذي أحبته ورأت فيه المنقذ ولكنها تكتشف أنه فقط صورة طبق الأصل من والدها المتحكم. طوال الفيلم تبحث ليلي عن القوة خارجها، كأن أحداً لابد أن يمد يدها وينتشلها ويعطيها الحرية. فنرى أيضاً المثقف النخبوي محمود مرسي، والذي أيضاً ظنت فيه الملاذ ولكنه خذلها.
وهكذا تظل طوال الرحلة تبحث وتخذل، حتى يأتي حسين، ذلك الرجل الذي يجعلها تفتش عن مناطق القوة بداخلها، ينفي عن نفسه صفة المخلص، فهو إنسان مثلها؛ ولكنه يصبح لها مثل المنارة للسفن، قالت لي صديقتي الجميلة والروائية سحر الموجي ذات مرة: "إحنا ممكن نبقى منارات للناس، بس مستحيل نكون قوارب إنقاذ ليهم"، حسين رفض أن يكون قارب إنقاذ، نجح أن يكون منارتها. ومن هنا، عندما تصالحت ليلي مع حسين، أصبحا كياناً واحداً مكتملاً، فأصبحت ليلي قادرة على أخذ أولى خطواتها نحو حريتها بكامل إرادتها.