الشانزليزيه الألماني

دقيقة
في برلين، يوجد شارعان بالاسم نفسه، شارع كارل ماركس في النصف الغربي -وهي أمور متداخلة فعلاً ولا يمكنك الجزم بها- بالقرب من الهيرمان بلاتس، وتوجد حارة كارل ماركس بالقرب من الألكسندر بلاتس.
لا أجد لفظاً قريباً لترجمة كلمه Allee الألمانية، الكلمة مغرية جداً، مثلاً بتقريبها من كلمة Alley الإنجليزية تعني الزقاق، وبما أن اللغتين جرمانيتين فالإغراء أقوى، خاصة أن معنى الكلمة الألماني السبيل، هكذا تقع النكتة في وصف الطريق الواسع ذو الـ 89 متراً عرضاً والكيلوميترين طولاً، آخر شوارع أوروبا العظيمة، كما قال أحدهم، بـ السبيل أو الزقاق.
ساعتها، كنت ذاهباً إلى سينما الأنترناسيونال الشهيرة في طريق الكارل ماركس، التي تقيم عرضاً خاصاً بفيلم: داخل لوين دايفيز، الحاصل على الجائزة الكبرى في مهرجان كان، كانت فكرة الصديق العزيز والروائي الألماني جريجور زاندر، وكنت عندما أنظر إلى الشارع المهيب، ذو العمارة الأستالينية، والتي هي الكلاسيكية السوفيتية الآن. كنت أمشي وبجواري بعض الناس، كانت الدنيا في شتائها، فتختفي الناس في معاطفها الثقيلة، بينما كان الجليد يغطي الطريق وواجهات المباني، فزادها جمالاً شاحباً.
امتد بناء الشارع ما بين العام 1952 إلى العام 1964، وارتمى ما بين منطقتي الفريدريش هاين والميتا، وسط بلد برلين التاريخية، والموحدة الآن، وكنت أتذكر ما قاله لي جريجور مبتسما: “لقد بنوا هذا الشارع كمثال لما يجب أن تكون عليه ألمانيا الشرقية، حتى نفد منهم المال فتجاهلوا الموضوع كله”.
كان الطريق يسمى بجروسه فرانكفورتر شتراسه، ولكن في 21 ديسمبر 1949، الموافق عيد ميلاد ستالين السبعين، تم تسميه الطريق بـ طريق ستالين، ثم في العام 1961، في أثناء حكم خروتشيف والمراجعات، تم تسميه الطريق بما نعرفه الآن: طريق كارل ماركس.
ما تزال العمارة مستطيلة مكعبة، والذي ميز العمارة السوفيتية في النصف الأول من القرن العشرين، ولكن بعض الإضافات هنا وهناك، بعض التزويق وبعض الأشجار، التي فضل مصمم الشارع المهندس الألماني هيرمان هينسلمان أن يضيفها في نزوع لبعض الفخامة، جعلت الموضوع يبدو "مبلوعاً"، مثلاً: البوابة التي تسمى بالفرانكفورتر تور، في ناصية الشارع من ناحية الميتا، كانت من هذا الطراز السوفيتي الذي يسمى بكعك الزفاف، وكانت لها وظيفة أخرى إلى جانب الجمال: حماية منطقة وسد البلد من مدخلها. السلطوية نفسها التي كانت تتخفى في تصميم باريس -الذي نقلناه في منطقة وسط البلد- وسيأتي الحديث عنها في حينه.
وداخل الكينو أنترناسيونال السينما الدولية، السينما الفسيحة والمريحة، والتي صممها الممهندس الألماني جوزف كايزر، التي تستطيع لمس الطابع السوفيتي في تصميمها؛ ولكنه اقتصاد بلا تقطي، كانت هناك الصور المتعاقبة على جدارها: العديد من نجوم السينما، إريك هونيكر في مناسبة ما داخل السينما، العرض العسكري التقليدي في يوم مايو الذي كان يمر بطريق كارل ماركس.
ولكن حتى في ظل الظروف والنزوع لمكافحة الاستهلاك والميول الرأسمالية، فقد كان طريق كارل ماركس مميزاً بمتاجره وكافيهاته في الستينيات، كان قبلة الاستهلاك سواء للمواطنين أو الوافدين، وبدا الأمر كسخرية تاريخية ما.
قفزت إلى ذاكرتي صورة الشانزليزيه، الشانزليزيه الستيناتي.
كنت أتأمل ما حولي، ووجدت نفسي أنظر إلى المطعم الكبير في مواجهة السينما، واسمه مطعم موسكو، وقد أبقى الحروف السيريلية من أجل السياح على الأرجح، وأبتسم.
أما عن شارع كارل ماركس فهو حكاية أخرى، سأحكيها في مرة قادمة.