باقي من العمر 400 جنيه

دقيقة
"باقي 400 جنيه، وباقي 11 يوم والشهر يخلص"، لم أصدق عيناي وأنا أحسب ما تبقى من مصروف الشهر وما تبقى من الأيام ليرحل هذا الشهر بكل تفاصيله، أنظر في يدي ملياً، أسترجع ما حدث من أول الشهر، ماذا أكلنا؟ ماذا شربنا؟ فيما أنفقنا؟
أسئلة تبدو وجودية لا أجد إجابة لها، لا أجد إجابة صادقة ومنطقية تقنعني بأن أموال دخلنا الشهري، غير القليلة، تسربت من بين أناملي كمياه فاترة لا تجد من يوقفها، أقف ذاهلة ولا ينتهي المشهد أبداً.

uaecoins
أناجي أربع ورقات فئة 100 جنيه مصري لا غير، وأستحلفها أن تفي بمتطلبات باقي الشهر، أحضر ورقة وقلماً وأكتب، أحاول مراراً وتكراراً بكل العمليات الحسابية الممكنة وغير الممكنة، وأصل أخيراً إلى أن إنفاق اليوم لابد ألا يتجاوز 35 جنيهاً، ألتقط أنفاسي وأشعر أني أنجزت ما بدأته، لأكتشف هول ما توصلت إليه، يفيقني صوت جرس الباب من ذهولي لأجد حارس العقار محملاً بأكياس الطلبات التي كنت قد أرسلته ليحضرها، وورقة تحمل الحساب، أقرأ 53 جنيهاً، ثمن: كيلو طماطم وكيلو خيار ونصف فلفل رومي، كيلو بطاطس، وزجاجة لبن و 4 علب زبادي، وكيس عيش.
اللعنة على الـ 53 جنيهاً، وعلى مصروف الشهر وعلى حارس العقار أيضاً، تتجمد الدماء في أطرافي وفي ذات الوقت يغلي رأسي غيظاً، حالة غريبة أعتقد حتى أمهر الأطباء لم يكتشفها بعد، تنتابني تلك الحالة عندما ألمح ولو من بعيد شكاً في أني أنا المتسببة في تلك الأزمة الشهرية المتواصلة والمتكررة، عندما ألمح أحداً يتهمني بأني مسرفة وأني لا أتدبر جيداً، خاصة وأن دخلنا مرتفع ويصب كله عندي، باعتبار أن الزوجة المصرية هي المسؤولة عن توزيع الدخل في المنافذ المختلفة داخل الأسرة وبما فيها مصروف الزوجة.
اللعنة أيضاً على ذلك التقليد البشع، تنتابني تلك الحالة وأسترجع أوجه إنفاقي فأجد أنني أدفع إيجار الشقة التي نعيش فيها، ومصاريف حضانة طفلي الوحيد، وقسط شقتنا التمليك، وتلك ليست رفاهية، فمنذ تأجيرنا لشقتنا الحالية منذ 4 سنوات والإيجار يرتفع سنوياً، بالإضافة إلى مصروفات صيانة العمارة المتزايدة بالضرورة، وفاتورة الكهرباء، والغاز، ومصاريف زوجي الذي يذهب إلى عمله يومياً، صباح مساء، والأطباء والدواء خاصة لطفل صغير يحصل على دور أنفلونزا أسبوعياً، وأخيراً طعامنا وشرابنا، أطمئن بعد استرجاع تلك اللائحة فأنا لست مسرفة ولم أنفق شيئاً على ملذاتي الخاصة.
تتفاقم الأزمة مع كل يوم يمر، خاصة أن تلك الأيام الأخيرة من كل شهر تمر ثقيلة متثاقلة وكأنها تأبى الرحيل، تحتاج إلى من يدفعها دفعاً لترحل دون عودة، أنظر إلى مياه الحنفية وهي تندفع على الدجاجة في الحوض وأنا أتذمر من الضيق وضيق اليد، ثم أفيق في اللحظة نفسها، أنا أشكو في حين أقوم بغسل دجاجة لطهوها، كيف حال الباقين إذن!
أتذكر سيدة قابلتها من فترة كانت تشكو حالها: "دخلنا أنا وزوجي 2500 جنيه وعندنا 3 أولاد أكبرهم في ثانوية عامة، بندفع إيجار 400 جنيه، ودروس ومواصلات وأكل وشرب وكهرباء ومياه، عمرهم ما كفونا شهر، كل شهر نستلف، وأكتر من 20 يوم في الشهر بناكل كشري يا مكرونة وأحياناً معاها بيض مسلوق، عشان نمشي الشهر، مش بناكل فراخ إلا أول الشهر مرتين أو ثلاثة واللحمة مرة كل فين وفين، أما اللحمة المفرومة باجيب كيلو واحد طول الشهر وآخد حته منه وأزودها بفول صويا بتكتر حجمها وتقريباً بيبقى الطعم نفسه".
أتذكرها ويدور رأسي، وأتذكر سكان العشوائيات وعيشتها المضنية، ويزداد دوار رأسي، أتذكر المرأة التي كانت تبحث في صناديق القمامة عما يسد جوعها، وأشعر أن رأسي سينفجر، أغلق حنفية المياه وأخرج من المطبخ مسرعة، ألقي بجسدي المتعب وروحي المثقلة على أقرب كرسي، وأفكر "نحن أبناء الطبقة الوسطى بكل آمالها وآلامها، بأمراضها وأزماتها، سيأتي يوم  ونندثر، منا من سيصعد وكثير من سيرجع إلى الخلف، وستزول تلك الطبقة الوسطى المتأرجحة دائماً، ولعله يوم قريب أقرب مما تظنون".