دينا الوديدي: الارتحال إلى موسيقى الجنوب. تدور وترجع

دقيقة
أعترف أنني عندما كنت أفتش عن أي موسيقى بديلة، دائماً كان الهوى شامي، ودائماً ما كانت تبهرني تجارب الموسيقى البديلة في الشام بكل زخمه وبكل متناقضاته وموسيقاه المتشعبة وتعدّده العرقي، لكن تجربة دينا الوديدي حوّلت الوجهة إلى مصر، واكتشفت أن تجربتها رغم قصرها الزمني إلا أنها تجربة تستحق الصدارة في الأغنية البديلة المصرية.

موالي
دينا الوديدي لم تتبع أي جهة إنتاجية تجارية سوى جهة إنتاج نفسها، فهي تغني وتلحن وتضع موسيقاها بنفسها من دون أن يملي عليها منتج رخيص شروطه لكي ينتج لها أسطوانة أو تتسول هي بصوتها في برامج لا طائل منها سوى إغناء كروش منتجيها وحرق أعصاب موهوبين ضلوا الطريق إلى برامجهم لأنهم لم يعرفوا أهمية أن تكون مطرباً ذا شخصية مستقلة وأن يكون لديك مشروعك الفني الذي تتبناه.
دينا أحد أهم فروع الغناء البديل كما يحبون تسميته،فهو فن خارج اعتبارات التسويق أو أي اعتبارات إنتاجية، يحمل فكراً وعمقاً ومضموناً لا تراه في الغناء التجاري الآخر، أيضاً هي فنانة حرة مستقلة لا يوجد سقف لما تغنيه أو تؤديه.
دينا الوديدي انتقلت من مرحلة تجريب داخل حفلاتها أو أغنياتها التي دائماً ما كانت المواقع الإلكترونية هي الحاضن لفنها، إلى توثيق أعمالها وإصدار أول ألبوماتها بعد عدة سنوات من محاولة الوصول إلى صيغة فنية وتوليفة موسيقية تبلور بها ظهورها الأول الرسمي للجمهور، بعيداً عن اليوتيوب الذي كان الحاضن لفنها منذ البداية.
دينا بنت بارة جداً بالتراث والفلكور المصري أيضاً، تدرك أهمية أن الموسيقى لغة عالمية لا وطن لها، وعلى الرغم من مصريتها الشديدة والواضحة في أسلوبها، إلا أنها لا تنسى أنها تنتمي إلى كيان أكبر اسمه أفريقيا، فلا حرج أن تجدها جزءاً أصيلاً ومشاركاً في مشروع النيل، أو لا تستعجب إن وجدتها خرجت من هذا الإطار، وتطرقت إلى موسيقى تنتمي إلى ثقافة مختلفة وقارة مختلفة تماماً مثل تعاملها مع البرازيلي جيلبرتو جيل.
تدور وترجع، تجربة ارتحلت كثيراً إلى الجنوب بموسيقاه وإيقاعاته الصاخبة، ويحسب لدينا أنها لم تتأثر بفكرة موسيقية واحدة لعبت عليها طيلة الألبوم، بل طوّعت تجاربها الكثيرة التي خاضتها لإصدار عمل فني يحمل زخماً موسيقياً وشعرياً متنوعاً، وأعطت صورة مبسطة عن أن انتماءها الأول والأخير هو للموسيقى أياً كان مصدرها.
دينا أعادت إصدار أغنيات قديمة اشتهرت بغنائها قبيل ظهورها، مثل الحرام، وتدور وترجع، واستفادت كثيراً من تجربتها في مشروع النيل، واستعانت بفرقه مزاهر (فرقة زار مصرية) التي استضافتهم من قبل في حفلاتها أيضاً تجربتها في المنحة التي أعطتها لها إحدى شركات الساعات السويسرية للتعايش فنياً مع أحد الفنانين، الفنان جيلبرتو جيل، وهو بالمناسبة كان وزير الثقافة البرازيلي الأسبق.
دينا اهتمت بالتنفيذ الموسيقي أكثر من كونه توزيعاً، خصوصاً أن الموسيقى عزفتها فرقتها بالكامل، بالإضافة إلى التعاون المثمر مع عازف الكونترباص الأميركي مايلز جاي.
تدور وترجع، تجربة تميزت أيضاً بالزخم الشعري، استعانت بشعر ميدو زهير في خمس أغنيات، بالإضافة إلى مايكل عادل في اثنان، وعمر مصطفى في اثنان، بالإضافة إلى منتصر حجازي وجرجس شكري في أغنيه واحدة وبالسيرة الهلالية المستقاة من الفلكور المصري.

بلاد العجايب

أول رافد موسيقي استقته دينا في الألبوم، مقام أثيوبي تأثرت به من تجربتها في مشروع النيل.
اختيار كلمات ميدو زهير لائم، لحن الأغنية، وأفردت دينا لنفسها مساحة جيدة للغناء والتنفيذ الموسيقي للفرقة، على الرغم من زخم الموسيقى والإيقاعات في بداية الأغنية، إلا أنها خفتت تماماً في بداية موال النهاية.

الحرام

أولى أغنيات دينا الوديدي التي اشتهرت بها منذ ظهورها الأول. إشكالية الأغنية أنها لحنت عام 2007، وصوّرت على أنها صنعت خصيصاً لفتره معينة.
الشاعر منتصر حجازي اختزل الموضوع بشكل كبير شعرياً، بشكل كبير على الرغم من أن الموضوع قد يتسع لمضامين أكثر وأكثر، لكنه اختار المباشرة في التناول أفضل جملة لحنينه في رأيي: (ده الحرام هو الكلام اللي نصه يا عم كدب).
وضح تأثر دينا بفكرة الموضوع عندما ردّت على صولو الأكورديون بجملة يا عيني.

دواير

عمر مصطفى شاعر ذو خصوصية، يلعب على أوتار الحالة النفسية لكل أبطال قصص شعره.
دينا أدّت الأغنية بشجن وبلحن شجي جداً رغم تقطيعاته البسيطة.
التنفيذ الموسيقي في البداية ناسب الحالة قبل دخول فرقة مزاهر، والتي كان لها حضور قوي جداً ويحسب لـ دينا ونانسي منير، أنها أعطته فرصة قوية للظهور منذ منتصف التراك تقريباً.
التحويلة في الريتم بدخول الدفوف وتفعيلاتها وارتفاع نسق الريتم مع الأكورديون وخط الباص جيتار القوي جداً.
يعيب الأغنية أن أداء دينا إلى آخر مقطع في الأغنية تاه في وسط زحام الموسيقى.

يا بلاد

ارتحال آخر إلى الجنوب بكلمات اقتربت من الصعيد.
أداء دينا تفوّق على كسر وزن كلمات جرجس شكري.
اللحن اقترب من الفلكلور بشكل كبير ودينا غنت بإحساس عالٍ على الرغم من قسوة الكلمات في بعض المواضع.
التوزيع أعطاها مساحة جيدة للغناء.

السيرة

أحد أعظم منجزات دينا الوديدي في الألبوم.
اختيار مميز لمقطع من السيرة، بالإضافة إلى المزج العبقري في اللحن.
اختيار فرقة مزاهر كان عبقرياً في أداء الكورس.
تنويعات اللحن واختيارها أكثر من تيمة فلكورية ينم على أن دينا لم تستسهل بل ذاكرت جيداً جداً، خصوصاً في بداية الحكي وتنويعات اللحن، حتى عندما حوّلت اللحن عدة مرات، دل على أنها لا تؤدي على تنويعة معدة ومجهزة مسبقة، بل المزج الفلكوري كان أكثر من رائع.
التنفيذ الموسيقي أخرج الصورة في أبهى صورها.

يحدثني الشجر

يحسب لـ دينا الوديدي أنها عندما قررت اختيار شعر بالفصحى غامرت بأشعار ميدو زهير، وهو المشهور بعاميته المميزة جداً والمختلفة.
على الرغم من ضعف أداء دينا الوديدي في الفصحى، أرى أن اللحن أضاع كلمات ميدو زهير.
توزيع مايلز جاي، جاء بسيطاً، غلف شجن لحن دينا الوديدي البسيط أيضاً.

الليل

رافد آخر من روافد الموسيقى استعانت به دينا في ألبومها.
تجربتها مع جيلبرتو جيل، والتي وفّرتها لها إحدى شركات الساعات العالمية كمنحة دراسة مع فنان عالمي.
اللجوء إلى نطاق موسيقى جنوبي آخر من أميركا اللاتنيية، وهي موسيقى البوسانوفا.
تناغم صوت دينا مع جيلبرتو جيل، صنعا أغنية مبهرة جداً في بساطتها، رغم "فذلكة" كلمات مايكل عادل، والتي جعلت التركيز أكثر على بساطة موسيقى الأغنية.

حزن الجنوب

إحدى أهم قصائد ميدو زهير، وأحد أهم ألحان دينا الوديدي.
الأغنية من أروع أغنيات دينا الوديدي.
ميدو زهير يضرب في صلب التراب المصري، ويعرف كيف يعري المجتمع من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه.
دينا الوديدي اختارت أن تغني المقطع الثاني من القصيدة أولاً، ثم عادت لكي تؤدي الموال ثانياً، ودخلت مباشره في صلب الموضوع.
التنفيذ الموسيقي ناسب الحالة تماماً.

تدور وترجع

درة أغنيات دينا الوديدي وإحدى أشهر ما قدمت من أغاني.
إعاده التنفيذ الموسيقي الجديد لم يضاهِ التنفيذ القديم للأغنية، غناء دينا من طبقة صوتية أخرى، جعلنا نضعها في مقارنة بين الإصدارين.
كلمات ميدو زهير والتي أكملها على الرباعية، تدور وترجع.
ولا أروع، طرح متميز وألفاظ بكر، وتجربة أصلية أصيلة من ميدو الذي يحلق خارج السرب تماماً شعرياً.
لحن دينا الوديدي في قفلة الجملة الموسيقية، كان أضعف ما في الأغنية.

كتر الوجع

واحدة من روائع دينا الوديدي.
البدايه التي تحس فيها بصوت مطربة آتية من عشرينيات القرن الماضي، أغنيه حاكت فيها دينا الوديدي بشكل عصري أداء مطربات زمن التخت الشرقي.
بداية من دخولها بصوت أتى من فونجراف قديم.
الكلمات غارقة في السخرية، كتبها مايكل عادل وشاركته فيها دينا الوديدي.
دينا أدت اللحن بسخرية وببهجة، وتحس أنها جالسة في تخت في إحدى حانات عماد الدين في عشرينيات القرن الماضي.
التنفيذ الموسيقي لو كان نفذ بشكل شرقي صرف، من دون الاستعانة بأي من الآلات الحديثة، مثلاً اختفاء الدرامز من الأغنية حتى صولو الكي بورد، والذي كنت أرى أن يستعاض عنه بقانون مثلاً.

سكون

عمر مصطفى يواصل على النسق نفسه، يلعب على التنويعة النفسية في كل قصائده.
من أحلى قصائده، يوصل إليك الفكرة بأقل عدد من الكلمات.
ووضح تأثر دينا لحنياً بفكرة الكلمات، بتصاعدها اللحني مع صخب الموسيقى.
الأغنية نفذت موسيقياً بشكل أكثر من رائع، تناسق اللحن مع موسيقى الروك مع كلاسيكية أداء دينا مع صخب موسيقى الروك،  حتى عندما خفتت الموسيقى تماماً بسكون تام.