عن الولد السويدي الذي يدافع عن قضايا إنسانية في فنزويلا

دقيقة

(1) القاهرة 2015

أمام مدينة الإنتاج الإعلامي..
لكي أصل إلى مقر عملي أعبر طريق الواحات السريع.. المطلوب ببساطة أن أرصد سيل السيارات القادمة، وعندما ألمح واحدة تقترب أتحرّك نحو حارتها ثم أبطئ وأمر بعدها أو أعبر بسرعة أكبر منها فأتجاوزها.
المهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة.
عندما كنت في العشرينيات كنت أتحدّى الجميع وأعبر أمامهم مراهناً أني أسرع منهم.. الآن صرت أكثر نضجاً وأترك السيارات القريبه تمر.
أراقب سرعة السيارتين القادمتين.. الأولى أقرب لي لكنها بطئية؛ أما الثانية فأبعد لكنها أسرع.. أحسبها.. لو سرت بسرعتي العادية سأعبر الأولى وتدهسني الثانية.
هناك دوماً حل.. أعدو..
ها أنا أفعلها جرياً.. نجحت.. الشعور بالأمان فور ما تلمس قدمك الرصيف بعد العبور من الطريق السريع لذة عظيمة، لم يهتم بها الأدب العربي للأسف لانشغاله بوصف مشاعر الحب والهجر والكلام الفارغ.
العبور إلى الناحية الأخرى أسهل، فهناك مطب هائل الارتفاع قبل بوابة مدينة الإنتاج.. هذه المطبات تدمر السيارات لكني لا أملك سيارة، لذا فهذه ليست مشكلتنا فليحل الآخرون مشكلتهم.
وصلت مقر عملي.. هذا خبر سار لكن الخبر الأفضل أنني لن أموت على الطريق السريع اليوم.

(2) كوبنهاجن 2014

خلال رحلتنا إلى الدنمارك نلتقي برئيس تحرير جريدة «بولتيكين» في مقر جريدته.. تبادل الخبرات مهم بين الصحفيين.. يحكي لنا عن آخر خبطاتهم الصحفية وعن رئيس الوزراء الذي يتصدّر صفحتهم الأولى بفضيحة اعتياده السفر بالطائرة على متن الدرجة الأولى، على الرغم من أن حملته الانتخابية كان مبدؤها الأهم التقشف الحكومي وتوفير النفقات.
يضيق صدري ولا ينطلق لساني.. أتجاهل التعقيب وأفكر في حال المربع الذي شرقه البحر الأحمر وشماله البحر المتوسط.
ابتسمت بمرارة قبل أن أنظر بتقدير للصحفي الذي اجتهد ليكشف معلومة للقارئ.

(3) كوبنهاجن 2014

لا نعرف الدنماركية.. يتناول صحفي الـ«بولتيكين» الجريدة ليشرح لنا تبويبها والموضوعات التي تعالجها.
يبدو متلجلجاً وهو يشير إلى صورة شاب في الصفحة الأخيره قبل أن يقول لنا:
ــ لا أعرف كيف أخبر صحفيين زملاء بهذا.. أشعر بالخجل للغاية.
يسكت طويلاً كأنما يتجنّب الحديث عن هذا الموضوع الصحفي الذي يراه مشيناً.. نطارده بأسئلتنا فيحكي لنا أنها قصة خبرية عن شاب إسكندنافي سجن 6 أشهر في السويد بتهمة التحريض على كراهية السود.
التوقيف تم وفقا للقانون السويدي، لكن هذا السجن يعد غريباً في بلد كالدنمارك تبلغ فيها حرية التعبير رسم العائلة المالكة بأوضاع عارية والتشكيك بالهلوكست.
هذا ما يخجل منه.. بينما قدرنا يتمدد خلفي على أريكة وينفث دخان سيجارته قبل أن يردّد ببرود:
ــ بالنسبة لعندكم.. متحاولش غيرك مقدرش.

(4) القاهرة 2015

أحاول العودة إلى المنزل.
أسير في منتصف الطريق عبر شارع مجلس الشعب في وسط القاهرة، فالرصيف تشغله مقاهٍ وسيارات مركونة وأرفف الباعة.
أمامي سيارات وبجواري بشر والطريق ضيق بسبب الركن صف ثاني.. لم تبقَ إلا حارة مرورية واحدة تعبر منها سيارات تزاحمنا الطريق.
تزيد الإضاءه قليلاً فأفهم أن هناك سيارة خلفي.. أميل يساراً.. أسمع صوتاً مزعجاً ورائي؛ فأدرك أنها دراجة بخارية.. أتجه يميناً إلى جانب الطريق لأفسح لها.
تعبر الدراجة البخارية بجواري فأميل قليلاً حتى أقترب من فتاه فتلتفت نحوي بكامل وجهها بتحدٍّ متصورة أني ألاحقها.
أدرك أنني لن أقنعها بالعكس، فأحاول تجاوزها سريعاً.. تعطلني بقعه مياه كبرى من بقايا أمطار هطلت أول أمس.
أقفز نحو حجر في منتصف الطريق قبل أن أعتمد عليه لأقفز ثانية عابراً إلى الضفة الأخرى لبركة المياه.
أصل إلى منزلي مبتسماً بثقه المنتصر.. طالما آمنت أنك بقليل من المجهود والإصرار يمكنك أن تصل إلى هدفك.

(5) مالمو السويدية 2014

36 دقيقة بالقطار لنعبر بحر الشمال ونصل من الدنمارك إلى السويد.
في بلدة «مالمو» الحدودية؛ الأمطار لا تتوقف والبرد يتسلل إلى أعماقك.
وسط التماثيل التاريخية والشوارع المبهجة يشير إلينا شاب سويدي يرتدي معطف أمطار أصفر.. لا نلاحظه في البداية لكنه يكرر بإلحاح مبتسماً.. نعود إليه فيمد يده لنا بورقة قائلاً بالإنجليزية:
ــ توقيعات عالمية دفاعاً عن حق الفنزوليات في الإجهاض.
يبدو أصدقائي مندهشين من المطلب لكني بادرته قائلاً وأنا أوقع:
ــ أنا من أشد المتحمسين لحق الفنزويلات في الإجهاض.
لم أكن أبالغ، فقد كنت متحمساً بالفعل.. ولكني كنت سأكون بالحماس نفسه أيضاً إن كان هذا الشاب الأوروبي يقف في الأمطار ليجمع توقيعات دولية من أجل حق الأجنة في أن يولدوا إلى الحياة، لأن كل من يطالبن بالإجهاض ولدتهم أمهاتهم بالفعل.

(6) أي مكان.. في أي وقت

تبدو المسافة عظيمة بين مشاكلنا ومشاكلهم؛ لكني مقتنع أن التصدي للفساد والقمع واحد في النهاية..
شعرت أن الفتى السويدي صديقي كما شعرت أن الصحفي الدنماركي صديقي.. هو يريد عالماً يعتقد أنه أفضل.. سأساعده على ذلك.. لم يهمني ما يتصدى له، ولكن فكرة «التصدي» ذاتها.
إذا كنا في السعودية سنكافح سوية من أجل قيادة المرأة للسيارة، وإذا كنا في أميركا سنكافح لمنع تعذيب البشر في جوانتانمو.
ليس هناك عالم مثالي إسلامي أو ليبرالي أو يساري أسعى إلى الوصول إليه أصلاً.. لكن هناك دوماً معركة من أجل حقوق الناس، تستحق أن تعيش لتحقيقها.
ليس هناك عالم فاضل.. دوماً هناك معركة من أجل عالم أفضل.

تابع المقال السابق من السلسلة نفسها على الرابط التالي: