كونفوشيوس يطعم القطط في شوارع القاهرة. ونحن نجيد البكاء

دقيقة
الوقت لم يكن متأخراً، كانت تشير إلى التاسعة مساءً، حينما ذهبت برفقة صديقي، الذي تربطني به سنوات الدراسة وحتى الآن، إلى أحد مقاهي منطقة وسط البلد في القاهرة، منذ عدة أيام وبعد فترة قصيرة كنا قد انتهينا من تناول سندوتش كان سبباً في التفاف القطط في المقهى حولنا، ولأنني لا أحب اقتراب القطط مني، بقدر محبتي لمشاهدة مواقفها الطريفة، أنهيت ما كان في يدي.
وكعادتنا دائماً، يقلب كل منّا في حقيبة الآخر، ليطلع ما لديه من كتب جديدة اقتناها مؤخراً، وبينما أمر على عناوينها، مر أمامي رجل يبدو عليه أنه أنهى عقده الخامس ويزيد، جلس أمامنا، وجاءه النادل، يدعى كرم، بالشيشة والقهوة، كطقس اعتاد عليه دون أن يناديه الرجل ويطلب منه ما يشاء.

كانت القطط لا تزال حولنا ساكنة، بعدما انتهينا من تناول السندويشتات، إلا أن ما لفت انتباهي قليلاً، هو أنها اتجهت صوب هذا الرجل، وقام قط بالجلوس على المقعد المجاور له، وكأنه صديق قديم له، والآخر جلس قرب قدميه، هذه الصورة التي تشكلت أمامي ذكرتني بالكاتب البرتغالي جوزيه دي سوزا ساراماغو 16 نوفمبر 1922 - 18 يونيو 2010 الحائز على جائزة نوبل للآداب.

الفارق الوحيد في الصورة بين هذا الرجل والكاتب البرتغالي جوزيه دي سوزا ساراماغو، هو أن الأول كان يدخن الشيشية والقطط حوله، بينما صاحب رواية العمي، كان يقرأ والكلب يستمع إليه.
لم تبق الصورة على ما هي عليه، فما هي إلا ثواني، حتى قام الرجل بفتح كيس أبيض أخرج منه علبة ذات لون أصفر، وقام بإفراغ قليل من محتواها على الكرسي المجاور أمام القط، ثم مال بجسده إلى القط القريب من قدمه وأعطاه كمية بقدر ما أعطاه للقط الجالس بقربه.

قلت لنفسي، رجل كبير يأتي إلى مقهى شعبي، ربما ليملأ فراغه، أو يتابع مباريات الكرة الإنجليزية، علماً بأنني لا أفهم في الكرة وأكتفي بمشاهدتها فقط من دون حماس، ولا ينسى القطط التي تجد طعامها في كل مكان.
لكن هذا الرجل، الذي لم يدرك أنني أراقبه وأنا على بعد خطوات منه، كانت أفعاله مثار دهشة بالنسبة إلى شاب مثلي، فما أفرغه للقطط لم يكن بقايا طعام أتى به من بيته، كان أشبه بحبوب جافة ملونة، ولأن الفضول نعمة -في بعض الأحيان– لفت انتباهي لون العلبة في المرة الأولى، وحينما كرر الموقف نفسه، أدهشتني صورة القط الأصفر عليها، فأدركت إلى أي مدى أن السير في طريق الإنسانية أصعب بكثير من أن تنشدها ليل نهار.

وأحسست أن مجيئنا أنا وصديقي إلى هذا المقهى لم يكن صدفة، وإن كنت لا أؤمن بها، وأن ثمة رسالة عليَّ أن أنقلها، بضع لقطات توثيقية لهذا المشهد كانت كفيلة بأن تذكرني في المقابل بحالنا الذي يملأ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة فيس بوك وتويتر، وموقفنا إزاء العديد من الصور المعبرة عما تتعرض له القطط أو الكلاب من قسوة وتعذيب، ولا نجيد سوى التباكي ولعن الظلام، وعن هذه الحالات حدث ولا حرج، وما أشهرها.
حينها تذكرت ما قاله كونفوشيوس 551 ق.م - 9 مارس 479 ق.م، وهو أول فيلسوف صيني يؤسس مذهباً قائماً على التقاليد الصينية من حيث السلوك الاجتماعي والأخلاقي: "أن تشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام".
وبالعودة إلى الكاتب البرتغالي جوزيه دي سوزا ساراماغو، تذكرت روايته التي جاءت بعد العمي، وهي البصيرة، وبدايتها على وجه التحديد: "قال الكلب، هيا بنا نعوي لا بد أن نثور، لقد خلقنا من أجل هذا".