نظارتي البنية الرائعة اللعينة

دقيقة
ذات يوم تندرت على أحد الأصدقاء لشرائه ساعة يد بقيمة 5 آلاف جنيه مصري عداً ونقداً، من دون تقسيط وبكل بجاحة مادية تبدت من حافظة نقوده للعالم، وقتها قلت له: "كل ده عشان تعمل زي أغنية منير؟ "حط الدبلة وحط الساعة، حط سجايره والولاعة".
لم يكن صديقي غنياً ولم أكن أنا كذلك، ولكنه كان متطلعاً لاقتناء بعض مظاهر الحياة الأخرى، كانت تأتيه رغبات مفاجئة في شراء حذاء غالي الثمن سرعان ما يسأمه أو خاتماً فضياً يزينه حجر كريم مع الوقت يتركه في أحد الأدراج مهملاً بعد أن كان يتيه به إعجاباً بل وتقسم لي زوجته أنه يشتري كثيراً من سراويل الجينز الغالية ولا يرتدي ثلثها، كان يفعل فعلته هذه كل شهر أو شهرين مرة، كأنه يذهب إلى الحرب مع كائن خيالي ويعود بغنائمه، وكنت أتعجب منه وأزدري تصرفاته كناسك يترفع عن الأخطاء.
هل قلت كنت؟! نعم فقد تغيرت، أحم؛ بل وجننت حتماً!

في عقر دار الأعداء

لا أعرف كيف خطوت بكل جرأة إلى داخل المحل المخصص لبيع النظارات الطبية والشمسية؟ كنت أعلم بكل وضوح أن هذه المرة ليست كسابقيها، لطالما ارتدت تلك الأماكن والمحلات منذ كان الاسم التجاري الشهير لسلعة ما يسمى بـماركة إلى أن تحول إلى براند، ومن يقول ماركة باقول عليه متخلف، دعنا من هذة النقطة. لطالما ارتدتها متفرجة وأحيانا مقتنصة فرص التخفيض أو عفواً "الـ سيل"؛ في هذه الأماكن لا يصح أن تقول تخفيض أو حتى أوكازيون الكلمة الفرنسية اللطيفة.
دخلت إلى المحل وأنا أدرك بداخلي أن بي شيئاً مختلفاً ولكنني كنت أتعامى عن هذا الإحساس وأنبئ نفسي بـ"أنا داخلة أبص بس، أشوف التخفيضات إيه"، لم أكن أدرك أني جننت.

فقرية

كأي ست مصرية أصيلة ومنوفية عتيدة عندما أخرج مع زوجي، أتحسس حافظته وحافظتي قبل أن نخطو أي مكان، أقوم بحسبة سريعة: هل يستحق المكان أو المطعم أن نجلس فيه؟ هل طعامه حقاً جيد، ألست أستطيع أنا بثلث هذا المبلغ أن أقيم وليمة؟ أجيب: اتنين كيلو لحمة وأعمل فتة ومحشي ونجيب نص كيلو كنافة من العبد ونتفرج على التلفزيون؟ حسناً يا عزيزي لن نجلس هنا.
أحياناً تستحق الأماكن الجلوس فيها، خاصة إذا لم يكن في البيت طعام وليس لدي مزاج لإعداده أو الوقت حتى، بالنسبة للملابس فأنا أتحين الفرص في نهاية كل موسم لشراء ملابس العام القادم خاصة لابنتى، أما عن البقالة فأنا لا أذهب إلى العروض؛ دائماً هناك مطب في العرض، سواء كان قرب انتهاء الصلاحية أو قلة الجودة، حتماً هناك شيء ما لا أغامر معه في طعامنا.
تحب ابنتي ملاهي أسفل كوبري فيصل، ذهبت بها إلى ملاهي في أحد المولات التجارية الشهيرة بمدينة 6 أكتوبر، أدفع هناك ما يزيد عن الـ 120 جنيهاً؛ إلا أنها تعشق الملاهي التي تلعب فيها جميع الألعاب بما لا يتجاوز الـ 20 جنيهاً وتخرج سعيدة، كلما مررنا بالسيارة فوق الكوبري تود أن تذهب، أخبرها أننا سنذهب إلى الأخرى بتاعة الناس الكويسين اللي في المول، فتغضب وتخبرني أنها تحب هذه الملاهي، ربما ورثت حب الفقر عني.
عن اقتنائي سيارة يوماً ما ولو بالتقسيط، لا أظنها فكرة جيدة، كثيراً ما أفكر أنني سأوصل جميع زملائي وجيراني إلى الأماكن التي يردونني أن أذهب فيها، أنظر كثيراً في زحمة المواصلات إلى الناس المحشورة في الحافلات، ويؤنبني ضميري إذا كنت أستقل سيارة أجرة "تاكسي"، كثيراً ما أنشغل بالزحام في حافلة واحدة في يوم حار وبشخص واحد يركب سيارته المكيفة ينعم بمساحتة الخاصة الآمنة، لذا لن أفعلها وأشترى سيارة  سأنهار كل يوم نفسياً وسط الطرق وأمام نظرات الناس العابرة، ربما أنا بالفعل فقرية، لكن بالتأكيد الإنسان اشتراكي بالفطرة.
إذاً؛ ما الذي انتابني؟

في عقر دار الأعداء مجدداً

لم أرتدِ يوماً نظارة شمسية على أنفي حتى نظارتى الطبية لا أحبها، تصيبني بالدوخة والـ"كعبلة " كثيراً بسبب عدم اتزاني، فما الذي أفعله هنا في محل النظارات.
أعلم أنني في حالة نفسية "زفت"، وأصبحت مؤخراً مكتئبة بطريقة تجلعني منفرة للأصدقاء، أعلم ذلك ولكن هل هذا مبرر؟ يمكنك أن تشتري توكة شعر وهتنبسطى برضه أو قلم أحمر شفاه، ولكن ما الذي تفعلينه هنا يا حنان يا حبيبتي؟!، أنت هتشتري نظارة فعلاً يقترب ثمنها من الألف جنيه؟ "حضرتك ورينى دي كمان أشوفها"، أتجاهل الحديث الدائر بداخلي، حنان، اعقلي حرام عليكي "دي بكام؟ وبعد التخفيض؟" أنت مفترية، هتشتريها بجد؟ "أوك هاشتريها، دي شكلها حلو تمام".
أنهال على نفسي بالشتائم، بينما أبتسم في وجه فتى المحل المهذب الذي يخبرنى أن هناك ضمان للنظارة لمدة عام، أخبره "سنة بس؟ ده أنا مشترية تلاجة يا راجل؟".
في هذه اللحظة تحديداً وأنا أتسلم الحقيبة الكرتونية الأنيقة لأشهر ماركات النظارات، ألمح فتاة تنظف الممر أمام المحل، أخجل من نفسي وأداري الحقيبة جواري وأنا مارة إلى جوارها، تعود إلى الأسئلة مجدداً قاسية هذه المرة "جبتى نظارة بمرتب البنت دي، أخص"، أدفع الحقيبة التي بها النظارة إلى حقيبتي اليدوية، أخفيها عن عيني أنا شخصياً، أخرج إلى الشارع، تداهمني الشمس فأغلق عيني ولا أجرؤ على ارتداء النظارة، يغمرني حزن غريب لا يتماشى مع شرائي لهذة القطعة الفنية الأصلية؟

سنطير جميعاً

في فيلم "طير أنت" تخبر فتاة المحل دنيا سمير غانم، الفتى الثري؛ بأنه مبذراتي، وتضيف كأي فتاة مصرية جدعة تعيش في فيصل مثلي: "ده أنت رميت فلوس تجوز شارع، ده فيه جوازات بتبوظ على باكو" أي ألف جنيه.
لماذا أتذكر هذه الجملة الآن وأنا أخرج من المول بالنظارة، "أيوه يا حنان فيه جوازات بتبوظ على باكو، باكو أنت دفعتيه دلوقت بسهولة عشان النظارة أم ماركة"، أشتم نفسي مجدداً وأهاتف صديقتي، أخبرها بالعملة السودة التي فعلتها، تهون عليّ الأمر قليلاً وتخبرني أن النظارات ليست شيئاً تكميلياً –أيون أيون قولي كمان ربنا يفتح عليكي– وهي بتحميكي من التراب وهتخليكي تشوفي كويس –هنا أتذكر أنني بالفعل بـ"أبربش" دائماً أمام نور السماء وأمام البحر حتى بدون سطوع شمس في وجهي، ثم قالت لي صديقتي كلمة قاطعة "اعتبريها نظارة طبية"، نعم هي إذن مسألة طبية، تنفرج أساريري، أمبسط يعني وأردد: "مسألة طبية".
أتحسس نظارتي الجديدة في جرابها الرابض بأمان وأنظر جواري في الميكروباص لأجد رجلين يرتديان ملابس يبدو أنها ملابس عملهما، وبنظرة عابرة وبخبرة أعرف أنهما يعملان في النقاشة من أدواتهما والبقع على وجههما ويديهما، أعلم أن الصنايعية يكسبون كثيراً في بلادي، ولكن هناك أيام كثير تمر من دون عمل، أتذكر أيضاً كل الأرامل اللاتي ينتظرن يوم 25 في الشهر أمام ماكينات الصرف الآلي لصرف 300 أو 400 جنيه معاش، أتذكر كل الغلابة وأسحب يدي من على النظارة، أردد بخفوت "مسألة طبية"؛ لكنني لا أقتنع هذه المرة، وعندما أعود إلى البيت أخبئها تحت صفوف ملابسي في الدولاب.
تمر أيام دون أن أرتديها، ثم أنسى إحساسي وتأنيبي وكل الغلابة، أرتديها ذات يوم مشمس في بجاحة ولا مبالاة لأتاكد أنني صرت منهم، من الناس التانيين.